الثلاثاء، 17 فبراير 2015

التاريخ الدموي للإمبريالية - الحلقة السابعة


بوليفيا:
    تشتهر بوليفيا بمناجم القصدير، لكن حصة الشعب البوليفي من هذه الثروات تنال الشيء الكثير من الاستغلال والنهب. اكتشفت هذه المناجم من قبل سيمون بونتيمي، ونقلت المعادن التي استخرجت إلى الموانئ وبيعت إلى البلدان الأوربية. وكان ملك القصدير بونتيمي عندما مات أحد الأشخاص الأغنياء العشرة في العالم. أدار بونتيمي بوليفيا لسنوات طويلة من أوربا حيث شكل خلالها حكومات وأسقط حكومات ونظم المجازر وخطط كيف ولأي درجة سيستعمرون.
    قام بتصدير المعادن الخام منذ عرفها تاريخ بوليفيا، وتلبية لشرط شراء البلدان الإمبريالية للقصدير الرخيص عمل على فرض الشروط غير الإنسانية لعمال المعادن واستغلالهم دون رحمة. كان عمال المناجم يعيشون في الأكواخ المحيطة بها وأرضية الأكواخ كانت من تراب، ويدخل البرد والريح القاسية للأكواخ من جدرانها غير المتوازية، وإمكانيات توفير الماء والغذاء وتلبية الحاجات الشخصية الأخرى غير كافية لدرجة غير موجودة، وكان عمال المناجم يعيشون على حدود الجوع. وبالنسبة لشروط العمل بالمناجم يعبر عنها بكلمة واحدة وهي قاتلة"من السهل أن نفهم لماذا كان عمال المناجم يفقدون حاستي الذوق والشم خلال بضعة سنوات، لدى وقوفنا في تلك البيئة السامة عدة ساعات ونتنفس ذلك الهواء الثقيل والمليء بالرطوبة والغاز والغبار والدخان. كل العمال كانوا يمضغون ورق القولتشا والرماد. وهذا كان جزء من المجزرة… لأن القولتشا تنسي الجوع والتعب وتزيل الردود الطبيعية التي يحتاج لها الجسد كي يبقى سليماً. ولكن الغبار كان الأسوأ، هذا هو غبار السيليكون الذي لا يمتلك الرحمة، ينهي الإنسان ببطء تنفس التراب القاتل… وبعد عشر سنوات يغدو العيش مستحيلاً. يستخدم في المناجم آخر موديل آلات للثقب وهم من صنع سويدي لكن نظام التهوية وشروط العمل هي دائماً نفسها"  (الشرايين المقطوعة لأمريكا اللاتينية ادواردو غاليانو- الصفحة 54)

   وضع فيكتور بوز انتون سرو في السلطة بدعم العمال والفلاحين  في عام 1952، وأممت الحركة الثورية القوميةMNR) ) المناجم العائدة لثلاثة من أرباب القصدير وقامت بإصلاح زراعي شامل لكن القوميين البرجوازيين الذين كانوا في قيادة هذه الحركة لم يستطيعوا أن يقدموا الثورة أكثر من ذلك، وخانوا الجماهير العمالية والفلاحين، وقاموا بتطوير العلاقات مع أمريكا، ومقابل هذه الخدمة جهز ودرب الجيش البوليفي من قبل أمريكا. كان تطوير العلاقات مع أمريكا يعني بالنسبة لعمال المناجم استغلالا أكبر وبطالة أكثر وخفض الرواتب.
   نظرت السلطات والهيئات العسكرية دائماً لعمال المناجم الذين يمتلكون الوعي الطبقي والمنظمون في كافة أرجاء البلد كخطر، ودائماً وضعوا بلائحة الهدف في فترة كل حكومة ماعدا الاستثناءات، وحاولت تلك الحكومات فرض عدم التنظيم على عمال المناجم بالمجازر والاعتقال، فقد اعتقلوا زعماء العمال بفترة فيكتور بوز انترسور أيضاًواقتحمت الدولة المناجم من أجل إلقاء القبض على مركز إذاعة عمال المناجم، فجرح المئات من العمال.
   أقيم انقلاب عسكري جديد في 4 تشرين الثاني 1964 ووصل إلى السلطة الجنرال بريانتس، ومنذ وصوله إلى السلطة خفض رواتب عمال المناجم إلى النصف، هذا كان يعني بالنسبة لعمال المناجم الموت من الجوع، لأنهم كانوا نصف جائعين. أوقف أكثر من مئة شخص من العاملين في إذاعة صوت المناجم وزعماء النقابة ولجنة النساء، ونفوا إلى خارج البلاد. وبدأ نزع السلاح من الشعب.
 مجزرة أيلول
   نظم العمال نقابة سرية بعدما نفي زعمائهم إلى الأرجنتين، أوقفت الدولة زعيم النقابة كماتشو وقتلته، وقبل قتله قامت بقتل العديد من عمال المناجم، وإثر هذه المجازر وعمليات الاعتقال قرر العمال المقاومة، حاصر الجيش المسلح بالرشاشات منجم سيغلو بعدما أعلم بهذا القرار.
   قاوم العمال الذين لم يمتلكوا إلا الديناميت مقابل رشاشات الجيش ببسالة، وهاجم الجيش بالطائرات وكان الهنود الحمر جميعهم أعداء حسب رأي الضباط، حيث أخذ كل الناس المقيمين حول المناجم نصيبهم من النساء حتى الأطفال.
"في إحدى المنازل… كانت تختبئ إحدى النساء تحت السرير مع أطفالها، بينما كان القصف يستمر بشكل مكثف (…) دخل الجنود إلى المنزل بعد أن خلعوا الباب حيث كان الأطفال يبكون. قال الجندي: "يوجد واحد تحت السرير، أخرج من تحت السرير إلى أن أعد حتى الثلاثة، لكن الأطفال لم يخرجوا لأنهم خائفون، وبدأ الجندي بالعد: "واحد، اثنان، ثلاثة" فصرخت الأم: "هؤلاء أطفالي‍ أرجوكم" بينما كانت المرأة تتوسل أعطي الأمر بإطلاق النار وظن الجندي أن المرأة ستأخذ سلاحه… أطلق الجندي النار طاق! طاقوقتلت المرأة، وعندما عاد زوجها إلى المنزل وجد نفسه دون امرأة و أطفال"  (أنا أريد أن أتكلم، دوميتي لابريس ديشوغانا- الصفحة 89 (
   أعلن منجم سيغلو "كمنطقة عسكرية" وفرض منع التجول ليلاً، فمن المفروض على الجميع أن يدخلوا إلى منازلهم في الساعة الثامنة مساءً، ويطفأ النور بعد ساعة معينة.
 تساعدون الفدائيين
 إذاً كلكم إرهابيون!
   بدأ تشي غيفارا بالنضال الفدائي في بوليفيا في عام 1967، وكانت الدولة حينذاك تواصل اعتداءاتها ضد كل شرائح الشعب وتواصل خفض رواتب العمال التي قد خفضت إلى النصف مرة واحدة. وأسسوا تنظيم البوليس السريDIC   من أجل تنفيذ سياسة التعذيب والمجازر. عرف عمال المناجم بوجود الفدائية من خلال بيان يحمل توقيع بعض القادة العمال أيضاً، فقررت رابطة عمال المناجم إقامة اجتماع لمطالبة الحكومة بدفع ديونها للعمال، وصرحت إن لم تدفع ديونهم فالعمال سيدعمون الفدائية وسيختارون الموت في الجبال بدلاً من الموت من البطالة. وبدأت المظاهرات الداعمة للفدائية في بعض المناطق، فكان رد الدولة هو القمع والتعذيب والمجازر مرة أخرى.
 مجزرة سان جوان
"عندما كنا نحتفل بعيد سان جوان في 24 تموز مع جيراننا، وبينما كانت الرقصات والأغاني والمشروبات قائمة أتى الجنود وقتلوا الكثير من الناس. وضربوا ووقفوا وقتلوا كل أحد يظنون أنه يدعم الفدائيين. فعلى سبيل المثال أنا فقدت طفلي الذي في بطني نتيجة اللبطات، حيث اتهموني بأنني قد قمت بعلاقة سرية مع الفدائية عندما كنت بالسجن. بعد هذه التصرفات انضم الكثير من الرفاق وحتى بعض الأطفال إلى النضال مع تشي غيفارا"  (نفس المصدر- الصفحة 104-105)
   مجزرة سان جوان هي ثاني أكبر مجازر في تاريخ بوليفيا .  "نحن رأينا الكثير في تلك الليلة! (…) لاحظت امرأة حامل مجروحة من بطنها في سيارة الإسعاف وكان الطفل ميتاً
   أخذت ابني وأخرجته من المنزل، وعندما كنت سأضعه في سيارة الإسعاف حضنته أولاً… آنذاك رأيت بأن جمجمته فارغة… بعض العائلات انتهت كاملاً. وجرى دماً مثل الأنهار"  (نفس المصدر- الصفحة 106-107)
   تعرض الموقوفون إلى تعذيب وحشي. أجهضت النساء الحاملات واغتصبت. وتركوا الأطفال الصغار للجوع كي يضغطوا على أمهاتهم للاعتراف.
 تأسيس ثكنات عسكرية للولايات المتحدة الأمريكية
   استمر الاستغلال والتعذيب في بوليفيا حتى بعد تغير السلطات. رغم بعض الاستثناءات وهي تولي بعض الانقلابات  العسكرية التقدمية للسلطة. ولكنها عمرها لم يكن طويلاًوتم استيلاء الرجعية على السلطة نتيجة الانقلابات العسكرية الفاشية المدعومة من الإمبريالية. قدمت المناجم كمائدة شهية للإمبريالية. وطرد 50 ألف عامل من عمله نتيجة الخصخصة، وبذلك التصرف حاولت الدولة إنهاء طبقة منظمة مهددة لها. فقد بدأ معظم العمال المطرودين بالعمل بشكل مرتبط مع اقتصاد المخدرات. وفي عام 1985 كان ثلث عدد السكان البالغ 6 ملايين يعملون في إنتاج وتجارة الكوكائين.
    بدأت إمبريالية الولايات المتحدة الأمريكية "حملة مكافحة المخدرات"، وكأنها  تسخر من شعب فرضت عليه اقتصاد المخدرات، وحاولت أن تعطي مشروعية للتدخل والاحتلال الذي قامت به على بوليفيا والبلدان المشابهة لها بكذبة "مكافحة المخدرات"استقر جيش الولايات المتحدة الأمريكية، وأنشأ ثكنات عسكرية ومطارات وقواعد جوية للولايات المتحدة الأمريكية. كانوا يصرحون في عام 1986 عن مناوراته  "بالنضال ضد المافيا والكوكائين"  بينما لم يخافوا من إظهار حقيقة نيتهم فيما بعد وصرحت الولايات المتحدة الأمريكية بأنها تنفذ برنامج  تجريبي من أجل  "اشتباكات خفيفة الكثافة"  في بوليفيا. وقدمت إمبريالية الولايات المتحدة الأمريكية لبوليفيا كما الشعوب الأخرى البطالة والجوع والانحطاط والتعذيب والمجازر كهدية.

0 التعليقات:

إرسال تعليق